مقالات

غالبًا ما يحدثُ أنّ (تكنوقراطيًّا) ما ناجحٌ جدًّا كجزءٍ من منظومةٍ مُستقرّة ومثبتةِ الفاعليّة؛ ولكن بمجرّد انتقالهِ إلى بيئةٍ أقلّ استقرارًا (على سبيل المثال، لإطلاق مشروعٍ جديد أو الانتقال إلى مكانِ عمل أكثر تقلّبًا)، يفشلُ هذا الفرد في إظهار مستوىً مماثل من القيادة والفعاليّة والإنجاز.

في كثيرٍ من الأحيان، تُوظّفُ شركاتٌ وهيئاتٌ عامّة عتاةَ التّكنوقراطيّين ليتبوّأوا مناصب سلطة على افتراض أنّ هؤلاء سيتمكّنون من بناء هيكليّاتٍ من الصّفر أو من قلب الأمور رأسًا على عَقِب. ينجحُ قليلٌ منهم؛ في حين تفشل الغالبيّة من إحداث التّغيير المطلوب وتغرقُ في الممارسات والثّقافات السّائدة. في نهاية المطاف، يتجاهلونَ الخصوصيّات المحلّية وقيمها، أو يرضخون للأمر الواقع ما يُؤدّي إلى نتائج متوسّطة أو إلى تلك  الّتي تتأتّى بتكاليف باهظة.

عادةً ما يجدُ (التكنوقراطيّ) المتشدّد الّذي تتلمذَ في بيئاتٍ مفرطة التّنظيم والانضباطِ صعوباتٍ بالغةٍ في إدارة بيئات مُختلفة؛ فهم نشأوا في حاضناتٍ متطرّفةٍ من العقلانيّةِ حيثُ يُعدّ بلوغ الأهداف الشّاملة أمرًا مطلقًا. هم قليلو الخبرةِ في أساليب إدارة بيئات أكثر حساسيّة تُركّز -بدرجةٍ أقلّ- على أهدافِ المجموعةِ أو الأعمال التّجاريّة. هي الّتي تحجم عن إخضاع المعايير الثّقافيّة والاجتماعيّة لصالح بلوغ أهدافٍ شاملة أيضًا.

تُعدّ الثّقافاتُ عالية السّياق (مثل اليابان والهند والشّرق الأوسط وأمريكا اللّاتينية وإفريقيا) ثقافاتٍ جماعيّةٍ حيث يُقدّر أعضاؤها العلاقات الشّخصيّة الوثيقة والمستقرّة، ويعتمدونَ اعتمادًا كبيرًا على السّياق (أي: لُغة الجسد وحالة الشّخص ونبرة الصّوت والرّسائل غير المذكورة صراحةً).  يتناقض هذا تناقضًا مُباشرًا مع الثّقافاتِ ذات السّياق المنخفض حيث يتمّ توصيل المعلومات بوجهٍ أساسيٍّ من طريقِ اللّغةِ، ويجري توضيح القواعد توضيحًا صريحًا.

عند الثّقافات عالية السّياق، تعني إعادة توجيه الشّركات والاقتصادات أنّ على الأفراد العمل مع الآخرين لمعالجة أكبر التحدّيات الّتي تُواجه مجتمعهم أو بيئتهم، علمًا أنّ عليهم أن يحقّقوا ذلك بطريقةٍ تُحدث تغييرًا حقيقيًا ودائمًا. واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا هي افتراض وجود هوّة بين التّقدّم الاقتصادي والمحافظة على المعايير الاجتماعيّة. في معظم الأوقات، ثمّة ثلاث قوى: النّخبة القائدة، والأداء المالي، والتّكنولوجيا، التي -معًا- تسهّل التّقدّم؛ ولكن وفي مُعظم الأحيان، هي قوى تدفعُ بتحسيناتٍ ضحلة لدى الطّبقة الحاكمة فحسب، تاركةً وراءها الطّبقات المتوسّطة والمحرومة من المجتمع. يتزامنُ ذلك مع وجود انعدام ثقةٍ، وتراخٍ، وقلّةِ إيمانٍ بالذّات لدى جزء كبير من الجماهير في تحسين أوضاعهم الاجتماعيّة. في كثيرٍ من الأحيان، ثمّة تباين مُتزايد في الثّروة والفرص بين هاتين الشّريحتين من المجتمعاتِ؛ لذلك من المهمّ مُعالجة هذه الأولويّات من طريق مُعالجة الأسباب الكامنة. في نهاية الأمر، ما نحتاجُ إليه هو إعادةُ توجيه مدرسة الفكر القياديّ.

تتطلّب إعادةُ توجيه مدرسة الفكر القياديّ في الاقتصاداتِ والشّركات ذات السّياق العالي تغييرًا منهجيًّا في مجالين رئيسين: حوكمة الشّركات وقبول المخاطر. كلاهما حيويّ لتشجيع الابتكار والمساءلة والمكافأة. يعني هذا تطوير الممارسات التّجارية المعمول بها حاليًّا وأساليبها، وإدخال مقاييس أوسع للنّجاحِ تتجاوزُ النّتائج الماليّة والكمّيّة (مثل عائد المساهمين وصافي الهوامش). نحنُ بحاجةٍ إلى التّركيز على التّعلّم مدى الحياة وإعادة تأهيل البيئات والأفراد، وإدارة التّقنيّات بطريقةٍ تُلبّي احتياجات العنصر البشريّ.

على عكس (التّكنوقراطيّين)، يفهمُ البنّاؤون أنّ هذه المبادئ الأساسيّة هي نقطة انطلاق لإحداث التّغيير وأنّ جميعها عناصر لصورة أشمل وأوسع. يُنفّذ البُناة رؤاهم بكسبِ الرّأي العام ودعم المورّدين، إضافةً إلى إظهار حسّ القيادة والثّقة بالنّفس. هم أقلّ حماية لمصالحهم الشّخصية، ومُخاطرونَ يُبدون الحياد والمثابرة والقدرة على الحسم ومُمارسة السّلطة بحزمٍ؛ ولكن بثبات.

يُناضل (التّكنوقراط) بتحقيق التّوازن والغرض المشترك في ما بين الأهداف العامّة (على مستوى «ماكرو») والخفايا الدّقيقة للاحتياجات الفرديّة (سلوكيّات على المستوى الجزئي). عندهم، النّظر إلى أبعد من مؤشّرات النّجاح اليسيرة يُصبح مهمّةً صعبة المنال. إضافةً إلى أنّهم يُواجهونَ صعوبات جمّة في تعدّد المهام بوجهٍ مُتزامن. تُصبح المهمّةُ أبعد منالًا عند مُحاولة إيجاد توازن بين إنشاء شركات جديدة مع إضافة قيمة وكسب المال، وتتعقّدُ الأمور أكثر فأكثر عندما تضيف الحاجة لتطوير العلوم والتكنولوجيا مع موازنةِ كلّ ما ذُكِرً سلفًا، مع الحرص على تلبية تطلّعات الأفراد وسلوكيّاتهم الجزئيّة.

مُراكمة التقنيّات والأرباح هي حاجتين أساسيّتين ولكنّ الأولى تتقادم بسرعةٍ. أمّا الثّانية فتخضعُ لقوانين تناقص العوائد. إنّ المعرفةَ والمواردَ النّاعمة قوّتانِ أكثر ديمومةً لما لهما من تأثيرات دائمة الدّفع والتّجدّد. في البيئاتِ الأكثر تقلّبًا، تتحرّك الأحداث تحرّكًا سريعًا بعشر مرّاتٍ من مثيلاتها الشّديدة التّنظيم، لذلك يُنصح التكنوقراطيّ المتشدّد الإلتزام بالمبادئ التالية:

المبدأ 1

  • الالتزام بهدفٍ عادلٍ، وقيمٍ إيجابيّةٍ، وخطّةٍ واقعيّةٍ طويلة الأجل لإعادة توجيه العمل أو الاقتصاد.

الرجاء الضغط هنا لمتابعة القراءة

٢٨٠ حرفاً فقط

المبدأ 2

  • البحث عن مصدرٍ إيجابيّ ومستدام للإندفاعة.

المبدأ 3

  • عند الانتقال إلى بيئةٍ جديدةٍ، يُنصَحُ التكنوقراطي المتشدّد بإعادة النّظر في كلّ شيء، بما في ذلك تفوّق ثقافته، وقناعاته ونظام القيم.

المبدأ 4

  • استخدام الفطرة السّليمة لتيسير مناهج العمل وتفعيل استخدام الموارد.

المبدأ 5

  • إعادة تدوير ومأسسة آليّات العمل في الاقتصاد أو المجتمع بحيث تُحقّق الغرض والرّبح.

المبدأ 6

  • الحصول على الحقائق ودرسها بصبرٍ؛ ومن ثمّ تطبيق الابتكار في مجالات نمذجة الأعمال، والشّراكات التّجاريّة، والعمليّات التّجاريّة وما تابع.

المبدأ 7

  • التّمعّن في الموروثاتِ المحليّة، والحساسيّات، والقيم.

المبدأ 8

  • إنشاء قائمة بالأولويّات وإبلاغها، والمضيّ قُدُمًا خطوةً واحدةً إلى الأمام في كلّ مرّة.

المبدأ 9

  • وضع خطط الطّوارئ وإبلاغ الآخرين عنها.

المبدأ 10

  • استخدام الشّجاعة والمثابرة للبدءِ والبقاء على المسار حتّى بلوغ الأهداف.

المبدأ 11

  • المشاركة في المخاطرة، شخصيًّا.

المبدأ 12

  • بلوغ النتائج انطلاقٍا من «القيم»: (أي التزام ثابت بها دون قيد أو شرط) بدلًا من استعمالها كوسيلةٍ لتحقيق غاية (عدم استخدام «القيم» كنافذة مؤقّتة لتوليد الرّبح – على «المنطق» أن يكون في خدمةِ «القيمة» بدلًا من العكس).

المبدأ 13

  • قيادة الشّرائح كافّة إلى بلوغ نتائج ماليّة وغير ماليّة، وتحسين أوضاع المعيشة والعمل، وإيجاد الوظائف، وتطوير المسارات المهنيّة والبدلات العادلة.

المبدأ 14

  • تفهّم العقبات الّتي تعيق التّطوّر أو الحراك الاجتماعي والعمل على إسقاطها.

المبدأ 15

  • توقّع، وقَبول، وتفكيك المقاومة الاجتماعيّة لأنّه في البداية قد تكون الشّرائح الوسطى والمحرومة على حقّ في رؤية التّغيير كرفاهيّةٍ تتوجّس منها لأنّ عوامل التّغيير غير معروفة منها، وهي التي قد تعرّض حياة النّاس وسبل عيشهم للخطر.

المبدأ 16

  • قياس النّجاح بمدى انعكاساتهِ على المجتمعاتِ والشّرائح – وليس باستعمال المعايير الماليّة فحسب.

المبدأ 17

  • موازنة مسؤوليّات المساهمين مع أصحاب المصلحة.

المبدأ 18

  • تغيير النّموذج الحالي بحيث يعكس الواقع المرتجى، ووضع مقاييس جديدة والسّعي وراءها.

المبدأ 19

  • التنبّه إلى المجتمعات وليس إلى متوسّطات الأداءات الكمّية فحسب.

المبدأ 20

  • إصلاح النظام بدلًا من مُعالجة الأعراض.

المبدأ 21

  • تحويل في سياسة البيئة المجتمعيّة أو التّجاريّة المحيطة، وتقييم استجابة المُستَهدَفين.

المبدأ 22

  • المنطق والتكنولوجيا باردتان، ولا تهتمّان لأنهمّا متغيّرتان، ومؤقّتتان، ويعفو عليهما الزّمن. يجبُ إدارة كليهما مع التّركيز على الإنسانيّة.

المبدأ 23

  • حماية النّاس وليس الوظائف.

المبدأ 24

  • التّحقّق من أن الحوكمة الجيّدة تعكسُ المصالح الكُبرى للبيئةِ والصّغرى للأفراد.

المبدأ 25

  • من الأسهل أن يُصبحَ المرء عقلانيًّا من العكس.

من شبه المستحيل لتكنوقراطيّ متشدّد أن يتخلّى تدريجيًّا عن حاجتهِ إلى الاعتماد على حواسّه فحسب لصالح العاطفة؛ أكثر منه لشخص عاطفيّ أن يُصبح أكثر انضباطًا. يفترضُ (التكنوقراطيّون) أنّ النّاسَ لا ترغب بشيءٍ سوى السّعي وراء المكاسب المادّية والسّياسات المبنيّة حصرًا حول تأمينها. نادرًا ما تحتوي (براغماتيّتهم) على شيءٍ أكبر، شيء أعمق، يستحقّ الوقوف عنده.

المبدأ 26

  • احتضان المجهول.

التّمسّك بالعقلانيّة كآليّة تَجنّب المخاطر تمنع عتاة (التكنوقراطيّين) عن الفرص الجديدة وتمنحهم إحساسًا خاطئًا بالتحكّم، والسّلامة، والاستقرار، والتّخصّص العقيم. إنّ الافتقار إلى السّيطرة والثّقة بالنّفس، والرّغبة في دفع الحدود، والسّماح للقَدر بأخذ مجراه تكشف عن ضعفٍ متأصّل في (التكنوقراط) – أي إدراكهم بأنّهم ما زالوا غير مستقرّين استقرارًا كافيًّا؛ وعلى هذا غير قادرين على التّأقلم مع المجهول بثقةٍ وثبات. إن «رؤية النفق» هذه تشير إلى أنّ (التكنوقراط) ينظرونَ إلى الحياة من منظورٍ ضيّقٍ للغايةِ ما يتركُ اتّجاهاتٍ وفرصًا جديدة غير مُكتَشفة. للمُتشدّدين منهم، يُعدّ النّجاح في الغالبِ فرصة عمريّة وحيدة يجبُ على المرء أن ينتزعها انتزاعًا، وأن يُحافظ عليها بأغلى ما عنده